5.6 سبب وضع العلماء لضوابط القراءة الصَّحيحة
سبب وضع العلماء لضوابط القراءة الصَّحيحة
 |
قال الإمامُ القُسطَلَّانيُّ -رحمه الله تعالى- في كتابه: “لطائف الإشارات لفنون القراءات”. بعد أن ذكر اختلاف العلماء في حديث: ((أنزل القرآن على سبعة أحرف...)) . وبيَّن المراد منه. فقال: ثم لَمَّا كثر الاختلاف فيما يحتمله الرَّسم، وقرأ أهل البدع والأهواء بما لا يحلُّ لأحدٍ تلاوته وفاقًا لبدعتهم، كَمَن قال من المعتزلة: ((وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا)) [النِّساء: من الآية: 164] بنصب الهاء، فنطقها: "وكلم اللهَ". ومن الرافضة: ((وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا)) [الكهف: من الآية: 51] بفتح اللام، يعنون أبا بكر وعمر. رأى المسلمون أن يجمعوا على قراءات أئمَّة ثقات، تجرَّدوا للاعتناء بشأن القرآن العظيم، فاختاروا من كل مِصر وُجِّه إليه مصحف أئمةً مشهورين بالثقة والأمانة في النقل، وحسن الدراية، وكمال العلم، أفنَوْا عمرهم في القراءة والإقراء، واشتهر أمرهم، وأجمع أهل مصرهم على عدالتهم فيما نقلوا، والثقة بهم فيما قرءوا، ولم تخرج قراءتهم عن خط مصحفهم. |
5.6 سبب وضع العلماء لضوابط القراءة الصَّحيحة
 |
فمنهم بالمدينة: أبو جعفر، وشيبة، ونافع. وبمكة عبد الله بن كثير، وابن محيصن، والأعرج، وبالكوفة: يحيى بن وثاب، وعاصم بن أبي النَّجود، والأعمش، وحمزة، والكسائي. وبالشَّام: عبد الله بن عامر، وعطيَّة بن قيس الكلابي، ويحيى بن الحارث الذَّماري. وبالبصرة: عبد الله بن أبي إسحاق، وأبي عمرو بن العلاء، وعاصم الجحدري، ويعقوب الحضرميُّ. |
 |
ثم قال الإمام القُسطلاني -رحمه الله تعالى-: ثم إنَّ القراء بعد ذلك تفرقوا في البلاد، وخَلَفهم أممٌ بعد أمم، إلا أنَّه كان فيهم المتقن وغيره، فلذا كثر الاختلاف، وعسر الضَّبط، وشقَّ الائتلاف، وظهر التَّخليط، وانتشر التَّفريط، واشتبه متواتر القراءات بشاذِّها، ومشهورُها بشاذِّها. فمن ثَم وضع الأئمة لذلك ميزانًا يرجع إليه، ومعيارًا يُعوَّل عليه، وهو السَّند والرَّسم والعربيَّة، فكلُّ ما صحَّ سنده، واستقام وجهه في العربية، ووافق لفظه خطَّ مصحف الإمام، فهو من السبعة المنصوصة، فعلى هذا الأصل بُني قبول القراءات عن سبعة كانوا أو سبعة آلاف. ومتى فُقد شرطٌ من هذه الثَّلاثة، فهو شاذٌّ، هذا لفظ الكوَّاشيِّ كما رأيته في أول تفسيره. |
5.6 سبب وضع العلماء لضوابط القراءة الصَّحيحة
 |
ومراده باستقامة وجهه في العربيَّة: سواءُ كان راجحًا أو مرجوحًا، كقراءة حمزة: ((والأَرْحَام)) [النساء: 1] بالجرِّ. وقراءة أبي جعفر: ((ليُجزَى قومًا بما كانوا يكسبون)) [الجاثية: 14]. والفصل بين المضافَيْن في قوله تعالى: ((وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)) [الأنعام: 137]. ولم يذكر الإمام القسطلاني -رحمه الله تعالى- توجيه هذه القراءات. |
 |
أما قولُه تعالى: ((وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ)) [النِّساء: 1]. فقرأها حمزةُ بخفض الميم عطفًا على الضَّمير المجرور في: "به" على مذهب الكوفيين، أو أُُعيد الجار وحذف للعلم به، وجر على القسم؛ تعظيمًا للأرحام، حثًّا على صلتها. وقرأ الجمهور بالنصب عطفًا على لفظ الجلالة، أو على محل: "به". كقوله: مررت به وزيدًا، وهو من عطف الخاص على العام؛ إذ المعنى: اتَّقوا مخالفته، وقطعُ الأرحام مندرج فيها، فنبَّه سبحانه بذلك، وقرنها باسمه تعالى أنَّ صِلتها بمكانٍ منه. |
 |
أما القراءة الثانية التي استدل به القسطلاني، وهي قراءة أبي جعفر: "ليُجزَى قومًا" جاء في "قلائد الفكر في توجيه القراءات العشر" قُرئ بالياء التحتية المبنية للفاعل، أي: ليجزي اللَّهُ، وقرئ بالياء المضمومة، وفتح الزاي مبنية للمفعول، مع نصب "قومًا" أي: ليُجزَى الخير والشر، أو الجزاء، أي ما يُجزَى به المصدر؟ فإنَّ الإسناد إليه لا سيَّما مع وجود المفعول به ضعيف. قال القاضي: وقيل: النَّائب الظَّرف، وهو بما قال السَّمين، وفي هذا حجَّة للأخفش والكوفيين، حيث يجيزون نيابةَ غير المفعول به مع وجوده. وقُرئ بنون العظمة مبنيًّا للفاعل. |
5.6 سبب وضع العلماء لضوابط القراءة الصَّحيحة
 |
أما المثال الثالث الذي ذكره الإمام القسطلاني، وهو قوله تعالى: ((وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ)) [الأنعام: من الآية: 136]. ففيها قراءة ابن عامر -رحمه الله- قرئ بضم الزاي، وكسر الياء بالبناء بالمفعول: "قُتل" برفع اللام على النِّيابة عن الفاعل: أَوْلادَهَمْ" بالنَّصب على المفعول بالمصدر. شُرَكَائِهِمْ" . بالخفض على إضافة المصدر إليه فاعلًا. هذه هي قراءة ابن عامر وتوجيهها. وقرأ الجمهور: ((زَيَّنَ)) بفتح الزاي والياء مبنيًّا للفاعل، ونصب: ((قَتْلَ)) به. "أولادَهم" بالخفض على الإضافة. ((شُرَكَاؤُهُمْ)) بالرَّفع على الفاعليَّة بـ ((زَيَّنَ)) وهي واضحة، أي: زَين لكثير من المشركين أنَّ شركاءهم قتلوا أولادَهم بنحرهم لآلهتهم، أو بالوأد؛ خوفَ العار والعيل. |
 |
ثم قال الإمام القسطلاني -رحمه الله تعالى-: وأما قوله -أي: الكواشي-: ووافق لفظه خط المصحف الإمام؛ ففيه نظر من جهة تقييده بالإمام، وهو مصحف عثمان -رضي الله عنه- الذي أمسكه لنفسه؛ لأنَّ المعتمد موافقةُ أحد المصاحف العثمانيَّة، كما في (النَّشر) وغيره. ويدلُّ لذلك نحو: ((جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ)) [التوبة: من الآية: 72]. بزيادة "من" في المصحف المكِّيِّ دون غيره. ((وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ)) [آل عمران : الآية: 184]. بزيادة الباء في الاسمين في المصحف الشَّاميِّ دون غيره. وبالأولى قرأ ابن عامر، وبالثانية قرأ هشام -يقصد الإمام القُسطلاني -رحمه الله تعالى- أنَّ ابنَ عامر قرأ: ((وَبِالزُّبُرِ)) وهشامٌ قرأ: ((وَبِالْكِتَابِ)) . قرأ كلٌّ منهما بزيادة الباء، ولم يقُل أحدٌ بأنَّ ذلك يعتبر شاذًّا. |
5.6 سبب وضع العلماء لضوابط القراءة الصَّحيحة
 |
ثم إنَّ القراءة المذكورة معمول بها، سواء احتملها الرسم تحقيقًا، كقراءة: ((مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ)) بغير ألف، أو تقديرًا كقراءة الألف. وكما ذكرنا مرارًا في كلمة: ((مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ)) قُرئت بقراءتين: "مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ" و ((مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ)) . فإنَّها كُتبت بغير ألف في جميع المصاحف، فاحتملت الكتابة أن تكون: ((مَالِكِ)) وفُعل بها كما فعل بنحو: "صالح" مما حُذفَت الألفُ منه اختصارًا. |
 |
وأمَّا ما صحَّ سندُه، فهو ما نقله العدلُ الضَّابطُ عن مثله، كذلك إلى منتهاه، مع اشتهاره عند أئمَّة هذا الشَّأن الضَّابطين له، وهو غيرُ معدود عندهم من الغلط، ولا مِمَّا شذ به بعضهم، فإذا اجتمعت هذه الثَّلاثة في قراءة، وجب قَبولها، وحرم ردُّها، سواء كانت عن السبعة، أم عن العشرة، أم عن غيرهم من الأئمة المقبولين، نصَّ على ذلك الدَّاني، والمهدويُّ، ومكيُّ، وأبو شامة، وغيرهم ممن يطول ذكره. |